محمد علي سلامة

137

منهج الفرقان في علوم القرآن

الحكمة في ذكر المتشابه في القرآن وقد ذكر فيها الفخر الرازي ما ملخصه : اعلم أن العلماء ذكروا في فوائد المتشابهات وجوها : « الأول » متى كانت المتشابهات موجودة كان الوصول إلى الحق أصعب وأشق وزيادة المشقة توجب مزيد الثواب قال تعالى : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ « 1 » . « الثاني » لو كان كله محكما بالكلية لما كان مطابقا إلا لمذهب واحد وكان بصريحه مبطلا لجميع المذاهب المخالفة له وذلك منفر لأرباب المذاهب الأخرى عن النظر فيه أما وجود المتشابه والمحكم فيه فيطمع كل ذي مذهب أن يجد فيه ما يؤيد مذهبه فيضطر إلى النظر فيه وقد يتخلص المبطل عن باطله إذا أمعن فيه النظر فيصل إلي الحق . « الثالث » باشتمال القرآن على المحكم والمتشابه يضطر الناظر فيه إلى الاستعانة بالأدلة العقلية فيتخلص من ظلمة التقليد وفي ذلك تنويه شأن العقل والتعويل عليه أما لو كان كله محكما لما احتاج إلى الدلائل العقلية ولظل العقل مهملا . « الرابع » باشتمال القرآن على المحكم والمتشابه يضطر الناظر فيه إلى تحصيل علوم كثيرة مثل اللغة والنحو وأصول الفقه مما يعينه على النظر والاستدلال فكان وجود المتشابه سببا في تحصيل علوم كثيرة . « الخامس » أن القرآن مشتمل على دعوة الخواص والعوام بالكلية ، وطبائع العوام تنبو في أكثر الأمور عن إدراك الحقائق فمن سمع من العوام في أول الأمر إثبات موجود ليس بجسم ولا بمتحيز ولا مشار إليه ظن أن هذا عدم ونفى محض فيقع في التعطيل فكان الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ دالة على بعض ما يناسب ما تخيلوه وما توهموه ويكون ذلك مخلوطا بما يدل على الحق الصريح . فالقسم الأول وهو الذي يخاطبون به في أول الأمر من باب المتشابه والقسم الثاني وهو الذي يكشف عن الحق الصريح هو المحكم . أه . وأكثر هذه حكم للتقريب للأفهام وإلا فالإيمان بالغيب أعلى مراتب الإيمان وأن هذا البحث يحتاج إلى إسهاب ولكن نكتفي بهذا القدر والله المستعان .

--> ( 1 ) آل عمران : 142 .